صديق الحسيني القنوجي البخاري
457
فتح البيان في مقاصد القرآن
قُلْ تَعالَوْا أي تقدموا ، قال ابن الشجري : إن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له : تعال أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم ، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي ، وهكذا قال الزمخشري في الكشاف إنه من الخاص الذي صار عاما وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عم . أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ أتل جواب الأمر ، وما موصولة في محل نصب به والمراد من تلاوة ما حرم اللّه تلاوة الآيات المشتملة عليه ، ويجوز أن يكون ( ما ) مصدرية أي أتل تحريم ربكم والمعنى ما اشتمل على التحريم ، قيل ويجوز أن تكون ( ما ) استفهامية أي أتل أي شيء حرم ربكم ؟ على جعل التلاوة بمعنى القول وهو ضعيف جدا ، عَلَيْكُمْ إن تعلق بأتل فالمعنى أتل عليكم الذي حرم ربكم وهو اختيار الكوفيين ، وإن تعلق بحرم فالمعنى أتل الذي حرم ربكم عليكم وهو اختيار البصريين ، وهذا أولى لأن المقام مقام بيان ما هو محرم عليهم لا مقام بيان ما هو محرم مطلقا . أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً إن مفسرة لفعل التلاوة المعلق بما حرم ولا ناهية وهذا وجه ظاهر لأمور من جملتها إن إخراج المفسر على صورة النهي مبالغة في بيان التحريم وهو اختيار الفراء ، وقيل ( أن ) ناصبة ومحلها النصب بعليكم على أنه للإغراء ، وقيل النصب على البدلية مما حرم ، والمعنى على الإغراء الزموا نفي الإشراك وعدمه . وهذا وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن الأنباري ضعيف لتفكيك التركيب عن ظاهره ولأنه لا يتبادر إلى الذهن ، وقيل التقدير لئلا تشركوا وهذا منقول عن أبي إسحاق وقيل تقديره أوصيكم أن لا تشركوا وهو أيضا مذهب أبي إسحاق ، وقيل ( إن ) في محل رفع أي المحرم أن لا تشركوا وهذا يحوج إلى زيادة لا لئلا يفسد المعنى ، وقيل تقديره عليكم عدم الإشراك وهو مذهب أبي بكر بن الأنباري ، وقيل استقر عليكم عدم الإشراك وهو ظاهر قول ابن الأنباري . وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ، ثم تلا قُلْ تَعالَوْا إلى ثلاث آيات ، ثم قال فمن وفي بهن فأجره على اللّه ومن انتقص منهم شيئا فأدركه اللّه في الدنيا كانت عقوبته ، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى اللّه إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه » .